القرطبي

220

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ) هذا من قول فرعون للسحرة ، أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ، كما قال فرعون : " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " ( 1 ) [ غافر : 26 ] . ويقال فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب . وقيل : طريقة القوم أفضل القول ، وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به ، فالمعنى : ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم ، استمالة لهم . أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء . أو يذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف . و " المثلى " تأنيث الأمثل ، كما يقال الأفضل والفضلي . وأنث الطريقة على اللفظ ، وإن كان يراد بها الرجال . ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة . وقال الكسائي : " بطريقتكم " بسنتكم وسمتكم . و " المثلى " نعت كقولك امرأة كبرى . تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم . قوله تعالى : ( فأجمعوا كيدكم ) الاجماع الاحكام والعزم على الشئ . تقول : أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت . وقراءة كل الأمصار " فأجمعوا " إلا أبا عمرو فإنه قرأ : " فاجمعوا " بالوصل وفتح الميم . وأحتج بقوله تعالى : " فجمع كيده ثم أتى " . قال النحاس : وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال : يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه ، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس . قال : لأنه احتج ب‍ " - جمع " وقوله عز وجل : " فجمع كيده " قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده " فاجمعوا " ويقرب أن يكون بعده " فأجمعوا " أي اعزموا وجدوا ، ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه . يقال : أمر مجمع ومجمع عليه . قال النحاس : ويصحح قراءة أبي عمرو " فاجمعوا " أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضموه مع أخيه . وقاله أبو إسحاق . الثعلبي : القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان : أحدهما - بمعنى الجمع ، تقول : أجمعت الشئ وجمعته بمعنى واحد ، وفي الصحاح : وأجمعت الشئ جعلته جميعا ، قال أبو ذؤيب يصف حمرا : فكأنها بالجزع بين نبايع * وأولات ذي العرجاء نهب مجمع

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 304 فما بعد . ( 2 ) نبايع : اسم مكان أو جبل أو واد في بلاد هذيل ويجمع على ( نبايعات ) .